الشيخ حسن أيوب
207
الحديث في علوم القرآن والحديث
بما تثبت عدالة الراوي وضبطه ؟ عدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص معدّلين على عدالته ، وتارة تثبت بالاستفاضة ، فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم ، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة ؛ استغنى فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا ، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه . وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ ، ومثّل ذلك بمالك وشعبة ، والسفيانين ، والأوزاعي ، والليث ، وابن المبارك ، ووكيع ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر ، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم ، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين . فائدة : التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور ، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها ، فإن ذلك يحوج المعدّل إلى أن يقول : « لم يفعل كذا ، لم يرتكب كذا ، فعل كذا وكذا » فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه ، وذلك شاق جدّا . وأما الجرح : فإنه لا يقبل إلا مفسرا مبيّن السبب ؛ لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح ، فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر ، فلا بد من بيان سببه لينظر فيه أهو جرح أم لا ، وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله . وذكر الخطيب الحافظ أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل : البخاري ، ومسلم وغيرهما ، ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وكإسماعيل بن أبي أويس ، وعاصم بن علي ، وعمرو بن مرزوق ، وغيرهم . واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم . وهكذا فعل أبو داود السجستاني ، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه ، ومذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة . وعقد الخطيب بابا في بعض أخبار من استفسر في جرحه فذكر ما لا يصلح جارحا . منها : عن شعبة أنه قيل له : لم تركت حديث فلان ؟ فقال : رأيته يركض على برذون ، فتركت حديثه .